الشيخ محمد هادي معرفة

290

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وأحيانا يختلفون في فهم الآية ، فكان تختلف أحكامهم في المسألة ، وكان الرأي الغالب هو المحكّم حينذاك ، ما داموا على الوفاق في الوصول إلى الحقيقة ، ومن غير عناد أو لجاج . . من ذلك حديث عمّار مع عمر بن الخطّاب ، حيث فهم عمر من آية التيمّم اختصاصها بالحدث الأصغر ، أمّا المجنب فيدع الصلاة حتّى يبلغ الماء . . فعارضه عمّار ، وذكّره ما صنع على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأمره بالتيمّم إذا أجنب ولم يجد الماء . . « 1 » وهكذا تمارى ابن مسعود وعمّار في الرجل تصيبه الجنابة ولا يجد الماء ، فقال ابن مسعود : لا يصلّي حتّى يجد الماء ! وقال عمّار - وحدّث بقصّته مع رسول اللّه « 2 » - ولم يقتنع ابن مسعود في بادئ بدء . . وروى البخاريّ في صحيحه ( ج 1 ، ص 95 ) : أنّ أبا موسى الأشعريّ قال لعبد اللّه بن مسعود : أرأيت - يا أبا عبد الرحمان - إذا أجنب أحدكم فلم يجد ماءً ، كيف يصنع ؟ فقال عبد اللّه : لا يصلّي ، حتّى يجد الماء ! فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمّار ، حين قال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : كان يكفيك - أي التيمّم « 3 » - ! قال ابن مسعود : ألم‌تر عمر لم يقنع بذلك . . وفي حديث آخر : قال : إنّي لم أر عمر قنع بقول عمّار . ! « 4 » .

--> ( 1 ) - . روى مسلم أنّ رجلًا أتى عمر فقال : إنّي أجتنب فلم أجد ماءً ؟ فقال : لا تصلّ ! فقال عمّار : أما تذكر يا أمير المؤمنين - وذكر قصّته مع رسول اللّه - . فقال عمر : اتّق اللّه يا عمّار ! قال عمّار : إن شئت لم احدّث به ! صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 193 . وفي حديث عبد اللّه بن مسعود مع أبي موسى الأشعريّ - رواه مسلم - : « أو لم تَرَ عُمَرَ لم يقنع بقول عمّار ! » . نعم ، كان عمر قد أُصرّ على رأيه حتّى أصبح مشهورا به . قال ابن حجر : وهذا مذهب مشهور عن عمر . ووافقه عليه عبد اللّه بن مسعود . وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود فتح الباري ، ج 1 ، ص 376 . لكنّه ذكر بعد ذلك : أن لم يكن لابن مسعود عذر في التوقّف عن قبول حديث عمّار ، فلهذا جاء عنه : أنّه رجع عن الفتيا بذلك . كما أخرجه ابن أبي شيبة . . ( المصدر نفسه ، ص 387 ) . ( 2 ) - . رواه البيهقيّ في السنن الكبرى ، ج 1 ، ص 220 . ( 3 ) - . كما في أحاديث سابقة . . وراجع : صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 193 . ( 4 ) - . روى مسلم بالإسناد إلى الأعمش عن شقيق قال : كنت جالسا مع عبد اللّه بن مسعود وأبي موسى الأشعريّ ، فقال أبو موسى : يا أبا عبد الرحمان ، أرأيت لو أنّ رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرا ، كيف يصنع بالصلاة ؟ فقال عبد اللّه : لا يتيمّم ، وإن لم يجد الماء شهرا ! فقال أبو موسى : فكيف بهذه الآية في سورة المائدة 6 : « وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ » . . فقال عبد اللّه : لو رُخّص لهم في هذه الآية ، لأوشك إذا بَرَد عليهم الماء أن يتيمّموا بالصعيد ! فقال أبو موسى لعبد اللّه : ألم تسمع قول عمّار - عندما بعثه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة فأجنب فتمرّغ في الصعيد ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فعلّمه التيمّم - ! فقال عبد اللّه : أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمّار ! . . أي كما لم يقتنع الخليفة بقوله ، كذلك لم يُقنعني قوله . لكنّه رجع عن رأيه كما نبّهنا صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 192 - 193 .